جلال الدين السيوطي
مقدمة 18
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
الاسم والملحق به والتوابع . وفي : « قواعد الإعراب » اتكاء على نظريّة الجملة في عرض المادّة النحويّة . إنّ هذه الرؤى المختلفة لمنهجيّة عرض المادّة النحويّة دليل واضح على أنّ الهمّ الذي كان يستولي على عقل ابن هشام هو البحث عن منهج جديد في عرض المادة النحويّة ، إذ أدرك أنّ أزمة النحو العربيّ ليست في قوانينه وأحكامه وأبوابه وأقيسته وتعليلاته بل هي في الحقيقة أزمة منهج ، يؤلّف بين مسالك النحو العربيّ من جهة ، ومتطلبات تعليمه من جهة أخرى ، وكان خروج ابن هشام من هذه الأزمة ابتداعا في نسج كتاب ، يعدّ نسيج وحده بين كتب النحو ، سمّاه « مغني اللبيب عن كتب الأعاريب » ، وقد وقف عليه ابن خلدون ، فقال : « فوقفنا منه على علم جمّ يشهد بعلوّ قدره في هذه الصناعة ، ووفور بضاعته منها » « 1 » . ومغني اللبيب هو النسخة الثانية المعادة من كتاب ألّفه ابن هشام في علم الإعراب سنة تسع وأربعين وسبعمائة بمكّة المكرّمة ، ثم أصيب به عند منصرفه منها ، فلما عاد إلى مصر استأنف العمل بلا كسل حتى أهدى المكتبة النحويّة كتاب المغني « 2 » ، فكأنّه عندما أعاد بناء الكتاب ، أعاد التفكير فيه منهجا وحجما وهدفا ووسيلة عدا إفادته من تطبيق رؤاه في كتبه الأخرى ، فجاء بكتاب ناضج الرؤية ، آية ذلك أنّه حدّد في فاتحة الكتاب الأدوار الثلاثة لكتب النحو الطوال ، وهي : كثرة التكرار ، وإيراد ما لا يتعلّق بالإعراب ، وإعراب الواضحات « 3 » . وكان ابن هشام يشعر بثقل أمانة علم النحو في صدره ؛ فكان دائم المراجعة لاغلاط المعربين الذين يعلّمون النحو ، فالنحو ليس متعة تجريديّة يستمتع بها بعض العلماء بل هو وسيلة تعليميّة هدفه المحافظة على ديمومة اللغة العربية ؛ لهذا لا ينبغي
--> ( 1 ) مقدمة ابن خلدون : 471 . ( 2 ) انظر خطبة كتاب مغني اللبيب : 1 / 27 . ( 3 ) انظر : المصدر نفسه : 1 / 28 - 31 .